الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

403

نفحات الولاية

قدامة - فقال : ألا أقاتل معك عدوّك ؟ فقال : بلى ؛ فما لبثت بنو تميم أنْ هزموهم واضطروهم إلى دار سنبيل السعدي ؛ فحصروا ابنَ الحضرميّ وحدُّوه ، فأتى رجل من بنى تميم ، ومعه عبداللَّه بن خازم السلميّ ، فجاءت أمي وهى سوداء جشية اسمها عجلي ، فنادته ، فأشرف عليها ، فقالت : يا بُنّي ، انزل إليّ ، فأبى فكشفت رأسها وأبدت قِناعها ، وسألته النزول فأبى ، فقالت : واللَّه لتنزلنّ أو لأتعرّينّ ، وأهوت بيدها إلى ثيابها ، فلما رأى ذلك نَزَل ، فذهبت به ، وأحاط جارية وزياد بالدّار ، وقال جارية : عليَّ بالنار ، فقالت الأزد : لسنا من الحريق بالنار في شيء ؛ وهم قومُك وأنت أعلم ، فحرّق جارية الدَّار عليهم ، فهلك ابنُ الحضرميّ في سبعين رجلًا ؛ أحدهم عبد الرحمن بن عمير بن عثمان القرشي التّيميّ ؛ وسُمِّيَ جارية منذ ذلك اليم محرِّقاً ؛ وسارت الأزْد بزياد حتى أوطنوه قصر الإمارة ؛ ومعه بيت‌المال ، وقالت له : هل بقي علينا مِنْ جوارك شيء ؟ قال : لا ، قالوا : فبرّئنا منه ؟ فقال : نعم ؛ فانصرفوا عنه . وكتب زياد إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام : أما بعد ، فإن جارية بن قدامة العبد الصالح قَدِم من عندك ، فناهَضَ جَمْع ابن الحضرميّ بمن نصره وأعانه من الأزد ، ففضّه واضطره إلى دارٍ مِنْ دور البصرة في عدد كثير من أصحابه ، فلم يخرج حتى حكم اللَّه تعالى بينهما ، فقتِل ابنُ الحضرمي وأصحابه ، منهم من أحرق بالنار ؛ ومنهم من أُلْقى عليه جدار ؛ ومنهم من هُدِم عليه البيت من أعلاه ؛ ومنهم من قُتِل بالسيف ، وسلم منهم نفر أنابوا وتابوا ، فصفح عنهم ، وبعداً لمن عصى وغوى ! والسلام على أمير المؤمنين ورحمة اللَّه وبركاته . 2 - خصائص المسلمين الأوائل أشار الإمام عليه السلام في هذه الخطبة إلى خصائص مسلمي صدر الإسلام في أنّهم كانوا مطيعين لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله ولم يأبهوا بابائهم وإخوانهم وأبناءهم في ميادين القتال ، فكانوا يصاولونهم ليجرعوهم القتل من أجل تحقيق الأهداف الإسلامية المقدسة . كانوا يتحلون بالاخلاص وصدق النية ؛ الأمر الذي جعل اللَّه يؤيدهم بنصره ويفيض عليهم من لطفه وفضله حتى انتشر الدين وأضاء نور الحق واليقين في أنحاء العالم . والحق لو أنّ المسلمين الأوائل كانوا على